قصة. كان هناك رجلان ثريان في مدينة واحدة، وكان لهما بيتان كبيران، وكان لكل منهما ابن واحد. وكان الابنان يدرسان في غرفة واحدة. وكان أحد الابنين ذكيا بينما كان الآخر بسيطا (ليس أحمق ولكن كان تفكيره بسيطا)، وكان الابنان يحب أحدهما الآخر كثيرا. على الرغم من أن أحدهما كان ذكيا والآخر بسيطا، إلا أنهما كانا يحبان بعضهما كثيرا.
ومع مرور الوقت، بدأ كلا الرجلين الثريين في الفقر. فقدا كل شيء حتى أصبحا فقيرين، ولم يتبق لهما سوى بيتيهما. وبدأ الابنان في الكبر. قال الآباء للابنين: ليس لدينا ما يكفي لإعالتكم، افعلوا ما تريدون. فذهب الابن البسيط وتعلم صناعة الأحذية، أما الابن الذكي فلم يرد أن يمارس حرفة بسيطة كهذه، فقرر أن يذهب في العالم وينظر ماذا يفعل. فكان يتجول في السوق.
ورأى عربة كبيرة مع أربعة خيول ولجام، تسير ذهابا وإيابا. فسأل التجار: من أين أنتم؟ فأجابوه: من وارسو. إلى أين تذهبون؟ إلى وارسو. فسألهم: هل تحتاجون إلى خادم؟ فرأوا أنه ذكي ونشيط، فوافقوا وأخذوه معهم.
فسافر معهم وخدمهم جيدا جدا في الطريق. وعند وصوله وارسو، وبما أنه كان ذكيا، قال في نفسه: بما أنني الآن في وارسو، فلماذا أرتبط بهم؟ ربما هناك مكان أفضل منهم. سأذهب وأبحث وأرى. فذهب في السوق، وبدأ يستفسر عن الرجال الذين جلبوه وما إذا كان هناك أفضل منهم. فقالوا له إن هؤلاء الرجال كرماء ومن الجيد العمل معهم، لكن من الصعب جدا العمل معهم، لأن تجارتهم تكون لمسافات بعيدة جدا.
فذهب ورأى خدم المحلات التجارية وهم يمشون في السوق، وكانوا يمشون كالعادة مرتدين قبعاتهم وأحذيتهم ذات الأطراف البارزة وغيرها من الزينة في مشيتهم وملابسهم. وكان ذكيا وحاد الذهن، فبدا له ذلك أمرا جيدا وفي محله لأنه شيء جميل وأيضا الأمر في مكانه. فذهب إلى الرجال الذين جاءوا به، وأعطاهم الشكر وقال لهم إنه لا يرتاح للعمل معهم. ولكنه شكرهم على إحضاره، وخدمهم في الطريق.
ذهب ووقف نفسه بجانب رب البيت واحد. وطريقة الخدم، الذين في البداية يجب أن يستأجروا بأقل ويقوموا بأعمال شاقة، ثم يأتون إلى مراتب الخدم الكبار. وكان رب البيت يجعله يقوم بأعمال شاقة، وكان يرسله إلى السادة لحمل البضائع كطريقة الخدم الذين يحتاجون أن تكون أيديهم تحت أسيادهم لوضع الملابس على بروز اليد عرض الكتف. وكان ذلك مرهقًا للغاية بالنسبة له. أحيانًا كان عليه أن يصعد مع حمولته إلى الطوابق العالية، وكان العمل شاقًا بالنسبة له. فجلس لنفسه، لأنه كان فيلسوفًا فهمًا جيدًا: ماذا بي لهذا العمل؟ إن الأمر الأساسي هو فقط من أجل الغاية للزواج والعيش. لست بحاجة بعد للنظر إلى هذا. سيكون لدي وقت فراغ لذلك لاحقًا في السنوات القادمة. الآن من الجيد بالنسبة لي أن أكون تائهًا في البلاد، أن أكون في الدول لإشباع عينيّ بالعالم.
ذهب في السوق ورأى تجاراً يسافرون في عربة كبيرة، فسألهم: إلى أين تذهبون؟ إلى لاغورنا (مدينة قريبة من إيطاليا). خذوني معكم إلى هناك. نعم. وأخذوه معهم إلى هناك. ثم أبحر من هناك إلى إيطاليا. ثم من هناك إلى إسبانيا. وفيما بين ذلك مرت بضع سنوات، وبفضل هذا أصبح أكثر حكمة لأنه كان في بلدان كثيرة. فقال لنفسه: الآن مناسب أن أنظر إلى الغاية. فبدأ يفكر مع فلسفته فيما يجب عليه أن يفعل. واستقر رأيه على تعلم مهنة الصائغ (بالذهب)؛ لأنها مهنة كبيرة وجميلة وفيها حكمة، وأيضاً مهنة غنية. وكان ذكياً وفيلسوفاً، فلم يحتج لتعلم المهنة سنوات عديدة، بل في ربع سنة فقط أتقن المهنة وأصبح صانعاً ماهراً جداً، وكان متمكناً من المهنة أكثر من الحرفي الذي علمه. ثم قال لنفسه: رغم أن بحوزتي مثل هذه المهنة، فمن المحتمل ألا تكفيني. اليوم أعتقد هكذا، ولكن ربما أفكر بشيء آخر في وقت لاحق. فذهب وتدرب لدى مصمم الأحجار الكريمة وملمعها. ونظراً لذكائه، أتقن هذه المهنة أيضاً في وقت قصير، ربع سنة. ثم فكر ضمن فلسفته: رغم أن بحوزتي اثنتين من المهن، فمن يدري لعلني أتخلى عنهما. من الأفضل لي أن أتعلم مهنة مهمة دوماً للعالم. فتأمل بذكائه وفلسفته ليتعلم الطب؛ لأنه أمر ضروري ومهم دائماً. وطريقة تعلم الطب تتطلب أولاً تعلم اللغة اللاتينية والكتابة ودراسة العلوم الفلسفية. وبفضل فهمه تعلم كل هذا في وقت قصير، ربع سنة. وأصبح طبيباً كبيراً وفيلسوفاً وحكيماً في كل العلوم. ثم بدأ العالم يبدو في نظره كالسجن، لأنه بفضل حكمته، إذ كان صانعاً ماهرا كبيراً بهذا الشكل، وحكيماً وطبيباً بهذا القدر، كان كل إنسان من بني البشر في نظره كالسجن. فقرر أن يضع لنفسه غاية وأن يتزوج، وقال في نفسه: إذا تزوجت هنا، فمن يدري ماذا سيحدث لي. سأذهب وأعود إلى بيتي، حتى يروا ما أصبحت عليه، إذ كنت فتى صغيراً والآن أصبحت بهذا العظم. فذهب وسافر إلى بيته. وكانت له محن كبيرة في الطريق، لأنه بسبب حكمته لم يكن له مع من يتحدث، ولم يجد مأوى كما يريد، وكان له محن كثيرة جدا.
وها نحن نلقي الآن مثل الحكيم ونبدأ برواية مثل البسيط:
كان هذا البسيط يتعلم صناعة الخياطة، ولبساطته تعلم كثيرًا حتى أتقنها. ولم يكن ملما بالصناعة تمامًا، فتزوج وكان يعيش منها. ولبساطته وعدم إتقانه الصناعة كليًا، كان عيشه ضيقًا جدًا ومحدودًا، ولم يكن لديه وقت حتى للأكل، إذ كان عليه دائمًا الانشغال بالصناعة لعدم إتقانه إياها كليًا. بل كان أثناء العمل، عندما كان يثقب بالإبرة ويدخل ويخرج خيط الخياطة كعادة الخياطين، كان يعض قطعة من الخبز ويأكل.
وكانت عادته أن يكون دائمًا في سرور عظيم جدًا، وكان ممتلئًا بالفرح دائمًا. وكانت لديه كل المأكولات والمشروبات والملابس. وكان يقول لزوجته: يا زوجتي، أعطيني لآكل، فتعطيه قطعة من الخبز فيأكل. ثم كان يقول: أعطيني التوابل مع البازلاء، فكانت تقطع له قطعة خبز أخرى فيأكل. وكان يمدح قائلاً: ما ألذ وأحسن هذه التوابل! وكذلك كان يأمرها بإعطائه اللحم وباقي المأكولات الطيبة من هذا القبيل، فكانت تعطيه لكل طبق قطعة من الخبز، وكان يستمتع جدًا بذلك ويمدح جدًا ذلك الطعام، كأنه يأكل ذلك الطعام بالفعل، وفي الحقيقة كان يشعر عند أكله للخبز بطعم كل طعام يريده، لبساطته وسروره العظيم.
وكذلك كان يأمر: يا زوجتي، أعطيني مشروبا لأشرب، فتعطيه ماء، فيمدح: ما أحلى هذا المشروب! أعطيني عسلاً، فتعطيه ماء. وكان يمدح أيضًا كما سبق. أعطيني خمرًا، إلخ، وتعطيه ماء، وكان يستمتع ويمدح ذلك المشروب، كأنه يشربه بالفعل.
وكذلك في الملابس، كان لديهما سويًا هو وزوجته بُردة شتوية واحدة. فكان يقول: يا زوجتي، أعطيني البُردة. عندما كان بحاجة إلى ارتداء البُردة، مثل: للذهاب إلى السوق، فتعطيه إياها. وعندما كان بحاجة إلى ارتداء معطف للذهاب بين الناس، كان يقول: يا زوجتي، أعطيني المعطف، فتعطيه البُردة. وكان يستمتع به ويمدحه قائلا: ما أجمل هذا المعطف! وعندما كان بحاجة إلى قبعة، مثلا للذهاب إلى المسجد، كان يأمر قائلا: يا زوجتي، أعطيني القبعة، فتعطيه البُردة. فيمدحها قائلا: ما أجمل وأبهى هذه القبعة! وهكذا عندما كان بحاجة إلى معطف رسمي، كانت تعطيه البُردة، فيمدحه ويستمتع به، قائلا: ما أجمل وأبهى هذا المعطف! وهكذا فيما شابه ذلك.
سيظل الفرح والسرور معه دائمًا. فعندما ينتهي من صنع الحذاء، ومن المؤكد أن له ثلاثة أطراف، لأنه لم يتمكن من الإتقان التام كما ذُكر، كان يأخذ الحذاء بيده، ويمدحه كثيرًا، ويستمتع به جدًا. وكان يقول: يا زوجتي، ما أجمل هذا الحذاء وما أروعه! ما أحلى هذا الحذاء! ما أعذب هذا الحذاء من عسل وسكر! فتسأله: إذن، لماذا يأخذ باقي الحدادين ثلاثة دنانير مقابل زوج من الأحذية، بينما تأخذ أنت فقط دينارًا ونصف؟ فيجيبها: ماذا يهمني ذلك؟ هذا عمله، وهذا عملي. وأيضًا: لماذا نتحدث عن الآخرين؟ دعنا نبدأ بالتحدث عن كم أربح من هذا الحذاء مباشرةً: الجلد بكذا، والقطران والخيوط وما شابه بكذا، وباقي المواد بمثل ذلك. وبطانة الحذاء بكذا، والآن أربح مباشرةً عشرة كبيرة، فماذا يهمني ربح كهذا مباشرةً؟ وسيظل الفرح والسرور معه دائمًا. ولدى الناس كان مصدر سخرية. وحققوا رغباتهم فيه، إذ وجدوا من يستهزئون به كما يحلو لهم، فقد كان يبدو مجنونًا، وكان الناس يأتون إليه عمدًا للتحدث معه من أجل الاستهزاء به. فكان ذلك البريء يقول: من دون مزاح فقط. فعندما كانوا يردّون عليه: من دون مزاح، كان يتقبل كلامهم، ويبدأ بالتحدث معهم، لأنه لم يعد يرغب في التعمق في التفكير، فهذا في حد ذاته مزاح، لأنه كان إنسانًا بريئًا. وعندما كان يرى أن قصدهم المزاح، كان يقول: ماذا سيحدث عندما تكون أذكى مني؟ إذًا ستكون مجنونًا، فمن أنا حتى أُحسب؟ وعندما تكون أذكى مني، بالعكس، ستكون مجنونًا.
هذا كله كان طرقه البسيطة. والآن نعود إلى الموضوع الأول:
في تلك الأثناء حدث ضجة، بأن الحكيم المذكور يسافر ويأتي إلى هنا بعظمة وحكمة عظيمة. وركض ذلك البسيط أيضًا لاستقباله بفرح عظيم، وكان يقول لزوجته: أعطيني بسرعة الفاليز، سأذهب لاستقبال صديقي الحميم لرؤيته. فأعطته العباءة، وكان يركض لاستقباله. وكان الحكيم يسافر في عربات مجللة بعظمة. وجاء لاستقباله ذلك البسيط وكان يسأل عن أحواله بمحبة وبفرح: يا أخي العزيز، كيف حالك، الحمد لله، الذي جلبك، وأنا أستحق رؤيتك. والحكيم المذكور، كان العالم كله في عينيه لا شيء كما ذكرنا سابقًا. فكيف برجل مثل هذا، الذي يُتصور أنه مجنون. لكن بالرغم من ذلك، بسبب محبة الشباب العظيمة التي كانت بينهما، كان يقرّبه، وسافر معه إلى داخل المدينة. والاثنان من أصحاب البيوت المذكورين، والدهما لهذين الابنين، ماتا خلال تلك الفترة التي كان فيها الحكيم يتجول في البلدان، وتركا البيوت لهما. وذلك البسيط، الذي كان في مكانه، دخل بيت والده وورثه. أما الحكيم، الذي كان في البلدان، لم يكن هناك من يتسلم البيت، فأصبح مفقودًا وضائعًا بيت الحكيم ولم يتبقَ منه شيء، ولم يكن للحكيم مكانٌ يدخله عند عودته. فنزل في إحدى الخانات، وكان يعاني هناك، لأن الخان لم يكن على هواه. وذلك البسيط المذكور وجد الآن وظيفة جديدة، وكان يركض ويأتي في كل مرة من بيته إلى الحكيم بمحبة وفرح، وكان يرى أن له معاناة من الخان. فقال ذلك البسيط للحكيم: يا أخي، تعال إلى بيتي، وقف بجانبي، وأنا سأجمع كل ما لدي في كومة واحدة، وكل بيتي كله أمامك كما تشاء. فرضي الحكيم، ودخل بيته، وأقام عنده، وكان الحكيم يعاني دائمًا، لأنه ترك هناك وهو حكيم ممتاز وفنان ودكتور عظيم جدًا. وجاء أمير ما وأمره بصنع خاتم من الذهب. فصنع له خاتمًا رائعًا جدًا، ونقش هناك رسومًا بطرق رائعة جدًا، ونقش هناك شجرة، كانت رائعة جدًا. وجاء الأمير، ولم يعجبه إطلاقًا الخاتم، وكان له معاناة عظيمة جدًا، لأنه كان يعرف بنفسه، أنه لو كان الخاتم مع هذه الشجرة في إسبانيا، لكان عزيزًا ورائعًا جدًا. وهكذا ذات مرة جاء أمير عظيم وأحضر حجرًا كريمًا ثمينًا، جاء من أماكن بعيدة، وأحضر له أيضًا حجرًا ثمينًا مع رسم، وأمره بأن ينقش مثل هذا الرسم على الحجر الثمين الذي أحضره، فنقش تمامًا مثل ذلك الرسم، إلا أنه أخطأ في أمر واحد، لم يكن أي شخص يفهم هذا، إلا هو وحده. وجاء الأمير، وتسلم الحجر الثمين ورضي عنه، وكان للحكيم هذا معاناة عظيمة من الخطأ: أليست هذه مدى حكمتي، والآن صادفني خطأ.
وكان له أيضا متاعب في مسألة الطب. فعندما كان يأتي إلى مريض، وكان يعطيه دواء، وكان يعرف بوضوح أنه إذا شفي المريض بفضل هذا الدواء، فبالتأكيد يجب عليه الشفاء من هذا الداء، لأن هذا دواء ممتاز جدا. ثم بعد ذلك يموت المريض. وكان الناس يقولون إنه مات بسببه، وكان يعاني كثيرا من هذا الأمر. وكذلك أحيانا كان يعطي دواء لمريض فيشفى، وكان الناس يقولون: إنه مجرد مصادفة. وكان دائما مملوءا بالمعاناة. وكذلك كان بحاجة إلى ملابس. فنادى الخياط وتعب معه، حتى علمه كيف يصنع الملابس كما يريد، كما كان يعرف، وعندما أتقن الخياط ذلك، وصنع الملابس كما يريد، إلا أن جناحا واحدا (يسمى "الكم") كان به خطأ، ولم يُصنع بشكل جيد، فكان يتألم كثيرا، لأنه كان يعرف بنفسه، على الرغم من أنه هنا جميل، لأنهم لا يفهمون في هذا، ولكن لو كنت في إسبانيا مع هذا الكم، لكنت مضحكة ولبدوت كالحمقى. وكذلك كان دائما مملوءا بالمعاناة.
وكان ذلك الرجل البسيط يأتي في كل مرة إلى الحكيم بفرح، ويجده حزينا ومملوءا بالمتاعب، فسأله: أليس أنت حكيما وغنيا مثلك، فلماذا تكون دائما مملوءا بالمعاناة، أليس أنا دائما مملوءا بالسرور؟ وكان الحكيم يضحك منه، ويبدو في عينيه كالمجنون. وقال له ذلك الرجل البسيط: أليس الناس العاديون الذين يسخرون مني هم المجانين، فإن كانوا أحكم مني، فهم بالأحرى مجانين، كما ذُكر سابقا، فكيف بحكيم مثلك؟ ماذا لو كنت أحكم مني؟ أجاب الرجل البسيط وقال للحكيم: ليتك تصل إلى مرتبتي! فرد عليه الحكيم وقال: هذا ممكن أن أصل إلى مرتبتك؛ أن يؤخذ مني العقل لا قدر الله أو أمرض لا قدر الله فأصبح مجنونا، فها أنت رجل مجنون. ولكن أن تصل أنت إلى مرتبتي، هذا مستحيل تماما أن تكون أنت حكيما مثلي. فرد عليه الرجل البسيط: عند الله كل شيء ممكن، ويمكن أن يحدث في طرفة عين، أن أصل إلى مرتبتك. فضحك الحكيم منه كثيرا. وكان هذان الابنان يُنعتان في أفواه الناس، هذا بلقب "الحكيم" وهذا بلقب "البسيط". وعلى الرغم من وجود الكثير من الحكماء والبسطاء في العالم، إلا أن الأمر كان واضحا جدا هنا، فكلاهما من مكان واحد، وتعلما معا، وأصبح هذا حكيما جدا، وأصبح هذا بسيطا جدا. وفي سجل السكان، حيث كانوا يكتبون لكل واحد لقب عائلته، كانوا يكتبون لهذا لقب "الحكيم" ولهذا لقب "البسيط".
في مرة كان الملك يمر على الشارع، فوجد أنه كان مكتوب هناك اسمان لشخصين، واحد اسمه حكيم، والآخر اسمه تام (بسيط)، فتعجب الملك كيف أن هذين الاسمين حكيم وتام مكتوبين هنا، وتمنى الملك أن يرى هذين الشخصين. ففكر الملك: إذا أرسلت فجأة لاستدعائهما أمامي فسيخافان كثيرًا، والحكيم ستنسد حججه تمامًا، والتام أيضًا ربما يصاب بالجنون من كثرة الخوف. فقرر الملك أن يرسل شخصًا حكيمًا إلى الحكيم، وشخصًا تامًا (بسيط) إلى التام. لكن كيف يجد الملك في مدينة الملك شخصًا تامًا، لأنه في مدينة الملك غالبًا ما يكونون حكماء، إلا أن المسؤول عن الخزائن يكون تامًا بالضبط، لأن الحكماء لا يريدون أن يكونوا مسؤولين على الخزائن، خشية أن يتمكنوا بحكمتهم وذكائهم من إهدار الخزائن. لذلك يجعلون المسؤول على الخزائن تامًا بالضبط. فاستدعى الملك شخصًا حكيمًا وذلك التام المذكور، وأرسلهما إلى هذين الشخصين المذكورين، وأعطاهما رسائل لكل واحد منهما. كما أعطاهما رسالة إلى المحافظ (حاكم المقاطعة) الذي يتبع لمقاطعته هذان الشخصان، وأمره في الرسالة أن يرسل لهما رسائل باسمه إلى الحكيم والتام، حتى لا يخافا، وأن يكتب لهما أن الأمر غير ضروري وليس الملك يأمرهما حتمًا بالمجيء، وإنما الأمر راجع لرغبتهما؛ إن أرادا أن يأتيا فليأتيا. وإنما يرغب الملك في رؤيتهما. فسافر هذان المرسلان، الحكيم والتام، وأتيا إلى المحافظ وأعطياه الرسالة. وسألهما المحافظ عن هذين الشخصين. فأخبراه أن الحكيم حكيم كبير وغني جدًا، وأن التام تام جدًا، ولديه كل ملابس الفلاح كما ذُكر. فتشاور المحافظ أنه بالتأكيد لا ينبغي أن يحضره أمام الملك بملابس الفلاح، فأعدّ له ملابس لائقة، ووضع داخل العربات زي تام للتام، وأرسل لهما الرسائل كما ذُكر. فسافر المرسلان وأتيا إلى هناك، وأعطياهما الرسائل: الحكيم للحكيم، والتام للتام. فالتام، بمجرد أن وصلته الرسالة، قال للمرسل التام الذي أحضرها: أنا لا أعرف ماذا مكتوب فيها، اقرأها لي! فأجابه: سأخبرك شفهيًا ما هو مكتوب فيها، أن الملك يريد أن تأتي إليه. فسأله مباشرة: هل بدون مزاح؟ فأجابه: بالتأكيد صحيح، بدون مزاح. فملأته السعادة فورًا وركض وأخبر زوجته: يا زوجتي، أرسل الملك لاستدعائي. فسألته: لماذا ولأي سبب؟ ولم يكن لديه وقت للرد عليها على الإطلاق، فتحرك فورًا بسعادة، وذهب وسافر مع المرسل مباشرة، ودخل وجلس داخل زي التام في العربات، ووجد هناك الملابس المذكورة ففرح أكثر وأكثر.
هناك من أرسل إلى الملك أنباء عن أن المحافظ يرتكب المظالم، فبعث الملك وأمر أن يكون المحافظ رجلاً بسيطاً، لأن البساطة تقود إلى إدارة الدولة بالحق والعدل، لعدم معرفته بالحكمة والاختراعات. فقرر الملك تعيين الرجل البسيط محافظاً، وأرسل أمره أن يكون هذا البسيط الذي استدعاه هو المحافظ، وعليه السفر عبر مدينة المحافظية. وأمر أن يقفوا على أبواب المدينة، وفور وصوله يوقفوه ويتوجوه بهذا التعيين محافظاً، وهكذا فعلوا، ووقفوا على الأبواب، وفور مروره من هناك، أوقفوه وأخبروه أنه أصبح المحافظ. فسأل: هل أنتم تمزحون فقط؟ فأجابوه: كلا، بالتأكيد لا مزاح. فأصبح هذا البسيط محافظاً فوراً بقوة وعزم. والآن، وقد ارتفع نجمه، وجاءته بعض الفهم، مع ذلك لم يستخدم حكمته على الإطلاق، بل تصرف ببساطته كالمعتاد، وأدار شؤون الدولة ببساطة وحق وعدل، ولم توجد فيه أي مظالم.
وإدارة الدولة لا تحتاج إلى ذكاء كبير ومعرفة، بل إلى العدل والبساطة. فعندما كان يأتيه اثنان للفصل بينهما كان يقول: أنت محق وأنت مخطئ، بحسب بساطته والحقيقة، دون أي مكر أو خداع.
وهكذا تعامل الجميع بالحق. فأحبه أهل الدولة كثيراً. وكان له مستشارون يحبونه حقاً. ومن محبته نصحه أحدهم: حيث ستدعى بالتأكيد للمثول أمام الملك، لأنه استدعاك بالفعل، والمحافظ مضطر للحضور أمام الملك. ولذا، مع أنك شخص صالح جداً، ولم ترتكب أي مظالم في إدارة الدولة، إلا أن الملك يميل في كلامه إلى الحكمة واللغات الأخرى، لذا من اللائق أن تستطيع الرد عليه. لذا من الأفضل أن أعلمك بعض الحكمة واللغات. فوافق البسيط على ذلك، وقال: ما الضرر إذا تعلمت بعض الحكمة واللغات؟
وفورًا خطر على باله، أن صديقه الحكيم قال له إنه من المستحيل ألا يطلع على حكمته. ومع ذلك، مع أنه أصبح يعرف الحكمة، إلا أنه لم يستخدم الحكمة على الإطلاق، بل تصرف ببساطته كالمعتاد.
ثم أرسل الملك يدعو هذا البسيط المحافظ إليه، فذهب إليه، وتحدث الملك مع البسيط في البداية عن إدارة الدولة، فأعجب الملك جداً جداً، إذ رأى أنه يتصرف بعدل وأمانة كبيرين، دون أي مظالم وخداع.
ثم بدأ الملك يتحدث بحكمة ولغات، فأجابه البسيط كما ينبغي، فسرّ الملك بذلك كثيرا وأكثر، وقال: إنني أرى أنه حكيم كهذا، ومع ذلك فهو يتصرف ببساطة كهذه، فسرّ الملك جداً جداً، وعيّن الملك أن يكون وزيراً على كل الوزراء، وأمر له بمكان مخصص، حيث يكون مقرّه، وأمر بأن يُبنى له أسوار لائقة ومزيّنة كما ينبغي، وأعطاه كتاباً على هذه التعيين، بأن يكون وزيراً كما ذُكر. وكذلك كان، بُنيت له أبنية كما ذُكر في ذلك المكان الذي أمر به الملك، فذهب وتسلّم المنصب رسمياً.
والحكيم المذكور، عندما أتاه الكتاب من الملك كما ذُكر، أجاب الحكيم الذي جاء به: انتظر وبِت هنا فنتحدث ونتشاور. في المساء أعدّ له وليمة كبيرة. وفي أثناء الوليمة تحايل الحكيم بحكمته وفلسفته، وأجاب وقال: ما هذا، أن يُرسل ملك كهذا ورائي من أجل مُتواضع كمثلي! وما أنا حتى يُرسل الملك ورائي، أليس الملك هذا له مُلك وعظمة كهذه، وأنا مُتواضع وحقير أمام ملك عظيم ومهيب كهذا! فكيف يتصوّر ذلك أن ملكاً كهذا يُرسل وراء مُتواضع كمثلي؟ إن قال: من أجل حكمتي، فما أنا أمام الملك! وهل ليس للملك حُكماء؟ والملك نفسه بلا شك حكيم عظيم، فما هذا الأمر أن يُرسل الملك ورائي؟ واستغرب من ذلك جداً جداً. أجاب وقال هذا الحكيم (أي الحكيم الأول، وهو صديق البسيط، لأن كل هذا، كله من كلام ذلك الحكيم الأول صديق البسيط، فبعد أن استغرب وتعجّب من نفسه كثيراً كما ذُكر، أجاب بنفسه هذه الكلمات، وقال للحكيم الرسول): اعلم ما أقول، رأيي أنه بالضرورة الأمر مُفهوم وواضح، أنه لا ملك في العالم أبداً. وكل العالم مُخطئون في هذا الغباء، أنهم يظنّون أن هناك ملك. انظر وافهم كيف يُمكن ذلك، أن يُسلّم كل سكان العالم أنفسهم للاعتماد على رجل واحد، وهو الملك. بالتأكيد لا ملك في العالم أبداً. فأجاب الحكيم الرسول المذكور: ألم أجلب لك رسالة من الملك؟ فسأله الحكيم الأول المذكور: هل أخذت الرسالة بنفسك من الملك نفسه حقاً؟ فأجابه: لا. بل إنسان آخر أعطاني الرسالة باسم الملك. فأجاب وقال: الآن انظر بعينيك، أن كلامي صحيح، فإنه لا ملك أبداً. ثم سأله مرة أخرى: قل لي. ألست من مدينة المُلك وترعرعت هناك منذ صغرك، أخبرني: هل رأيت في حياتك الملك؟ فأجابه: لا. (لأن في الحقيقة كذلك الأمر، أن ليس كل شخص يحظى برؤية الملك، لأن الملك لا يُرى إلا في أوقات نادرة جداً). فأجاب الحكيم الأول وقال: الآن انظر أيضاً أن كلامي صحيح وواضح، أنه بالتأكيد لا ملك على الإطلاق، فها أنت حتى لم ترَ الملك قط.
ثم سأله الحكيم الرسول مجدداً: فمَنْ يرأس الدولة؟ فقال له الحكيم الأول: هذا ما سأخبرك به واضحاً، لأنك بالتأكيد ستسألني، لأنني مطلع على هذا الأمر، لأنني كنت أتجول في الدول، وكنت في دولة إيطاليا. وهكذا العادة هناك، أن يوجد سبعون وزيراً مستشاراً (يُدعون "مستشارين")، وهم يتسلمون مقاليد الحكم لفترةٍ معينة، ومع ذلك يتناوب جميع أبناء الدولة على السلطة بالتتابع. وبدأ كلامه يُقنع الحكيم الرسول، حتى اتفقا وقررا أنه بالتأكيد لا ملك في العالم على الإطلاق. ثم قال الحكيم الأول مجدداً: انتظر حتى الصباح. سأوضّح لك بمزيدٍ من التفصيل، أنه لا ملك في العالم على الإطلاق.
فاستيقظ الحكيم الأول في الصباح (الحكيم الذي هو صديق الأحمق ندعوه دائمًا الحكيم الأول)، وأيقظ صديقه الحكيم الرسول، وقال له: تعال معي إلى الخارج وسأُريك الأمر واضحًا، كيف أن العالم كله مخطئ، وفي الحقيقة لا ملك على الإطلاق، والجميع مخطئون تمامًا. ثم ذهبا إلى السوق، ورأيا رجلاً شجاعًا، وأمسكا به وسألاه: لمَن تخدم؟ فأجاب: أخدم الملك. فسألاه: هل رأيت الملك في حياتك؟ قال: لا. فقال: أنظر، هل هناك حماقةٌ مثل هذه؟ ثم ذهبا إلى أحد كبار الجنود، وتحدثا معه حتى سألاه: لمَن تخدم؟ قال: أخدم الملك. هل رأيت الملك؟ قال: لا. فقال: الآن انظر بعينيك، أن الأمر واضح أن الجميع مخطئون، ولا ملك على الإطلاق في العالم. واتفقا على أنه لا ملك على الإطلاق.
ثم قال الحكيم مجددًا: تعال لنسافر ونذهب في العالم، وسأريك كيف أن العالم كله في أخطاءٍ كبيرة. فذهبا يسافران في العالم، وفي كل مكانٍ وصلا إليه، وجدا أن العالم مخطئ. وأصبح موضوع الملك المذكور مثلاً عندهما. وفي كل مكان وجدا فيه العالم مخطئًا، أخذا الملك مثالاً، كما لو أن وجود ملك أمرٌ صحيح، فكذلك هذا الأمر. وظلا يسافران حتى نفد ما معهما من مال. فبدءا ببيع حصانٍ واحدٍ، ثم الآخر، حتى باعا جميعها، حتى اضطرا للمشي على الأقدام. وكانا دومًا يبحثان العالم، ويجدان أنه مخطئ، وأصبحا فقيرين يمشيان على الأقدام وزال مكانتهما، ولم يعودا معتبرين على الإطلاق، لأنه لم يكن أحد يهتم بهما على الإطلاق، كونهما معدمين مثلهما.
وتطور الأمر، وكانوا يذهبون ويدورون، حتى جاءوا إلى المدينة التي يسكن فيها الوزير المذكور الذي هناك، صديق ذلك الحكيم المذكور، وهناك في تلك المدينة، كان هناك رجل مقدس حقيقي، وكان مهمًا جدًا، لأنه فعل أشياء مدهشة، وحتى بين الوزراء كان مهمًا ومشهورًا. وهؤلاء الحكماء جاءوا إلى تلك المدينة، وذهبوا وتجولوا وجاءوا أمام منزل الرجل المقدس، ورأوا أن هناك بضع عربات، خمس وأربعون، مع مرضى. وظن الحكيم أن هناك طبيب، وأراد أن يدخل منزله، لأنه أيضًا كان طبيبًا عظيمًا، وأراد أن يدخل ليتعرف عليه. فسأل: من يسكن هنا؟ فأجابوه: رجل مقدس. فامتلأ فمه ضحكًا، وقال لصديقه: هذا كذب وخطأ مدهش جدًا. وهذا هو الهراء أكثر من خطأ الملك. يا صديقي، سأخبرك عن هذا الكذب، كم مرة العالم في خطأ مثل هذا الكذب.
في غضون ذلك كانا جائعين ووجدا لديهما ثلاثة أربعة "كبار" (نوع من العملة). فذهبا إلى مطعم، (يسمى "غار كيتش")، وهناك يجدان طعامًا حتى مقابل ثلاثة أو أربعة "كبار". وأمرا أن يعطيهما طعامًا، فأعطوهما.
وبينما كانا يأكلان، كانا يتحدثان ويسخران من الكذب والخطأ في أمر الرجل المقدس. وسمع صاحب "غار كيتش" كلامهما وغضب جدًا، لأن الرجل المقدس كان مهمًا هناك جدًا. فقال لهما: كلا ما أمامكما واخرجا من هنا. ثم جاء ابن الرجل المقدس، وهما لا يزالان يسخران من الرجل المقدس أمام ابنه، فانتهرهما صاحب "غار كيتش" لأنهما يسخران من الرجل المقدس أمام ابنه، حتى ضربهما ضربًا مبرحًا، ودفعهما من منزله، فغضبا جدًا، وأرادا المطالبة بالعدالة ضد من ضربهما، وقررا الذهاب إلى صاحب المنزل الذي تركا فيه حقائبهما، للتشاور معه كيفية المطالبة بالعدالة ضد المذكور. فجاءا وأخبراه أن صاحب "غار كيتش" ضربهما ضربًا مبرحًا. فسألهما: لماذا؟ فأخبراه أنهما تحدثا عن الرجل المقدس. فأجابهما: بالتأكيد ليس من الصواب ضرب الناس، لكنكما لم تفعلا شيئًا صحيحًا على الإطلاق، حيث تحدثتما عن الرجل المقدس، لأن الرجل المقدس مهم جدًا هنا. فرأيا أنه لا مغزى فيه، وهو أيضًا في خطأ، فذهبا من عنده إلى المسؤول. وكان المسؤول كافرًا. فحكيا له القصة أنهم ضربوهم. فسأل: لماذا؟ فأجابوه: لأنهم تحدثوا عن الرجل المقدس. فضربهم المسؤول ضربًا مبرحًا، ودفعهم من منزله. فذهبوا من هذا إلى ذاك، من حاكم إلى حاكم أعلى منه، حتى جاءوا أمام ذلك الوزير.
هناك، أمام مبنى وزارة الخارجية، يقف رجال حرس، أي "واكين"، وأخبروا الوزير أن هناك رجلاً يحتاج إلى لقائه، فأمر بإدخاله. ودخل ذلك الحكيم أمام الوزير، وفور دخوله عرفه الوزير، أنه نفس الحكيم صديقه المذكور سابقاً، ولكن الحكيم لم يعرفه، بسبب منصبه الرفيع. وفوراً بدأ الوزير يكلمه: انظر إلى بساطتي وكيف أوصلتني إلى هذه المكانة، وماذا أوصلتك إليه حكمتك. أجابه الحكيم: بما أنك أنت صديقي هناك، سنتحدث عن ذلك لاحقاً. الآن أعطني حكماً لأنهم ضربوني. سأله: لماذا؟ أجابه: لأنني تحدثت عن البعل شيم، أنه كذبة وخدعة كبيرة.
أجابه حينها الوزير: ما زلت متمسكاً بحكمتك. انظر، قلت إنك تستطيع بسهولة الوصول إلى مستواي، وأنا لا أستطيع الوصول إلى مستواك. انظر كيف وصلت أنا بالفعل إلى مستواك كما ذكرت، وأنت ما زلت لم تصل إلى مستواي؛ وأرى أن هذا أصعب بالنسبة لك أن تصل إلى بساطتي. ومع ذلك، لأنه كان يعرفه من قبل بعظمته، أمر بإعطائه ملابس ليرتديها، وطلب منه أن يأكل معه.
وأثناء تناولهما الطعام، بدأ الحكيم يحاوره عن رأيه السابق، بأنه لا يوجد ملك على الإطلاق. فانتهره الوزير قائلاً: ألم أر الملك بنفسي؟ أجابه الحكيم مستهزئاً: أنت تعرف بنفسك أن هذا هو الملك؛ أنت تعرفه وتعرف والده وجده اللذين كانا ملكين؛ من أين لك أن تعرف أن هذا ملك؟ الناس أخبروك أن هذا ملك وخدعوك بالكذب. فغضب الوزير كثيراً جداً من أمر الملك، لأنه ينكر وجود الملك.
وفي تلك الأثناء جاء أحدهم وقال: إبليس أي الشيطان، أرسل وراءكما. فاضطرب الوزير كثيراً جداً، وركض وأخبر زوجته بخوف شديد أن المذكور أرسل وراءه. فنصحته زوجته بإرسال من يذهب إلى البعل شيم، فأرسل وراءه. وجاء البعل شيم وأعطاه تعاويذ وتمائم، وقال له إنه الآن لن يخاف على الإطلاق. وكان يؤمن بذلك إيماناً كبيراً.
وبقي الحكيم والوزير المذكور جالسين، فسأله الحكيم: مما تخاف كل هذا الخوف؟ فأجابه: بسبب ما ذُكر، أنه أرسل وراءنا. فضحك منه: أتؤمن بوجود الشيطان؟ أجابه: إذن من هو الذي أرسل وراءنا؟ أجابه الحكيم: بالتأكيد هو أخي، الذي أراد أن يلتقي بي، فأرسل ورائي بهذا الخداع.
فسأله الوزير: إذن، كيف اجتاز جميع الحراس؟ أجابه: بالتأكيد رشاهم، وهم يقولون بالخداع والكذب إنهم لم يروه على الإطلاق.
ففي تلك الأثناء عاد أحدهم وقال كما سبق، إن الطيف قد أرسل وراءهم. لكن الحاكم لم يفزع الآن، ولم يكن لديه أي خوف على الإطلاق بسبب حماية الحاخام كما سبق. أجاب وقال للحكيم: الآن ماذا تقول؟ قال: سأخبرك، لدي أخ يكرهني، وقام بهذا الخداع ليخيفني. ووقف وسأل ذلك الشخص الذي جاء بالنيابة عنهم: ما هي صفات هذا الذي أرسل خلفنا؟ ما شكل وجهه وهيئة شعره وما شابه ذلك؟ فأجابه: كذا وكذا. فقال الحكيم: أرى، هذا هو منظر أخي المذكور. فقال له الحاكم: اذهب معهم. فأجاب: نعم، لكن بشرط أن تعطيني بعض رجال الأمن ليرافقوني حتى لا يؤذونني. فأعطاه حراسة.
وذهب الحكيمان المذكوران مع ذلك الرجل الذي جاء نيابة عنهما، وعادا إلى الحامية. وسألهما الحاكم الوزير: أين الحكيمان المذكوران؟ فأجابا أنهما لا يعرفان على الإطلاق كيف اختفيا. والمذكور (أي الطيف) خطف أولئك الحكيمين المذكورين، وأحضرهما إلى الوحل والطين، وهناك كان الطيف جالسًا على كرسي في وسط الوحل، وألقى بالحكيمين المذكورين في الوحل. وكان الوحل سميكًا ولزجًا مثل الغراء تمامًا، (يسمونه "كلاي") ولم يتمكنا من تحريك أنفسهما على الإطلاق في الوحل، وصرخا (هذان الحكيمان لأولئك الذين كانوا يعذبونهما، أي الطيف ورجاله): أيها الأشرار! لماذا تعذبوننا، وهل يوجد طيف في العالم؟ أنتم أشرار تعذبوننا بلا سبب. (لأن هذين الحكيمين المذكورين لم يزالا لا يصدقان أن هناك طيفًا، بل قالا إن أشرارًا يعذبونهما بلا سبب). وكان يترك هذين الحكيمين في سمك الوحل، وكانا يسألان ما هذا؟ إنه ليس سوى رجال متهورون، نحن كنا نتشاجر معهم في وقت ما، والآن هم يعذبوننا هكذا. وكانا يُعذبان هناك في عذابات فظيعة لعدة سنوات.
في يوم من الأيام، مر وزير كبير أمام بيت الحاخام المشهور. فتذكر صديقه الحكيم. فدخل إلى الحاخام، وانحنى أمامه كعادة الوزراء، وسأله إن كان بالإمكان أن يرى صديقه الحكيم، وهل يمكن أن يخرجه من هناك. فقال للحاخام: هل تتذكرون الحكيم الذي أرسله التايفل واحتجزتموه، ومنذ ذلك اليوم لم أره؟ فأجاب: نعم. وطلب منه أن يريه مكانه ويخرجه من هناك. فقال له الحاخام: بالتأكيد أستطيع أن أريك مكانه وأخرِجه، ولكن لا يذهب إلا أنا وأنت. فذهبا معاً. وفعل الحاخام ما يعرفه، وأتيا إلى المكان، ورأى أنهم يضعونه في طين ووحل. فعندما رأى الحكيم الوزير، صرخ إليه: أخي! انظر كيف يضربني هؤلاء الأشرار ويعذبونني بلا سبب. فانتهره الوزير: ما زلت تتمسك بحكمتك، ولا تصدق بشيء، وتقول إن هؤلاء بشر! انظر الآن، أليس هذا هو الحاخام الذي كنت تنكر وجوده، وهو بالضبط من يستطيع إخراجكم (وهو سيريكم الحقيقة). فطلب الوزير من الحاخام أن يخرجهما ويريهما أن هذا تايفل، وليسوا بشراً. ففعل الحاخام ما فعله، وبقوا واقفين على الأرض الجافة، ولم يعد هناك وحل. وتحول هؤلاء المؤذين إلى تراب. حينها رأى الحكيم ما حدث، واضطر رغماً عنه أن يعترف بكل شيء أن هناك ملكاً وما إلى ذلك.
عن هذه القصة قيلت التوراة التي تتحدث عن الحكمة والبساطة (انظر لقوطي مهر"ن الجزء الثاني الفصل 19)، أن جوهر الكمال هو البساطة والتواضع فقط، وموضوع عماليق الذي كان حكيماً وكفر بالأساس وما إلى ذلك. انظر هناك على الآية "سبع مرات يسقط الصديق ويقوم"، أحرفها الأخيرة تشكل كلمة عماليق. لأن أصل كل السقوط هو بالحكمة وما إلى ذلك. انظر هناك. أيضاً آجاج من نسل عماليق، على الرغم من أنه رأى سقوطه عندما جاء صموئيل إلى شاول لقتله، ما زال لا يؤمن. كما قيل "وذهب آجاج إلى المراعي، وترجم يوناثان: من الترف"، لأنه ما زال لا يصدق سقوطه، حتى رأى بعينيه نهاية سقوطه، حينها قال: "بالتأكيد قرب الموت". لأنه حتى الآن لم يكن يؤمن. (ضع عينيك على الحدث وستفهم عجائب العجائب). وإذا لم تكن الصلاة كما ينبغي، فهي كالنعل ذات الثلاث زوايا، وافهم.
עכשיו סיפור שמיני ❤